العلامة المجلسي

208

بحار الأنوار

ذو لسانين : لسان منه مع الله ، والاخر مع ما سواه ، فهذا أولى بالذم من ذي اللسانين . وتحقيقه أن بدن الانسان بمنزلة مدينة كبيرة لها حصن منيع هو القلب بل هو العالم الصغير من جهة والعالم الكبير من جهة أخرى والله سبحانه هو سلطان القلب ومدبره ، بل القلب عرشه ، وحصنه بالعقل والملائكة ، ونوره بالأنوار الملكوتية ، واستخدمه القوى الظاهرة والباطنة والجوارح والأعضاء الكثيرة ولهذا الحصن أعداء كثيرة من النفس الامارة ، والشياطين الغدارة ، وأصناف الشهوات النفسانية ، والشبهات الشيطانية ، فإذا مال العبد بتأييده سبحانه إلى عالم الملكوت ، وصفي قلبه بالطاعات والرياضات عن شوك الشكوك والشبهات ، وقذارة الميل إلى الشهوات ، استولى عليه حبه تعالى ومنعه عن حب غيره ، فصارت القوى والمشاعر وجميع الآلات البدنية مطيعة للحق ، منقادة له ، ولا يأتي شئ منها بما ينافي رضاه ، وإذا غلبت عليه الشقوة ، وسقط في مهاوي الطبيعة استولى الشيطان على قلبه ، وجعله مستقر ملكه ونفرت عنه الملائكة ، وأحاطت به الشياطين ، وصارت أعماله كلها للدنيا ، وإراداته كلها للهوى ، فيدعي أنه يعبد الله ، وقد نسي الرحمان ، وهو يعبد النفس والشيطان . فظهر أنه لا يجتمع حب الله وحب الدنيا ، ومتابعة الله ومتابعة الهوي في قلب واحد ، وليس للانسان قلبان حتى يحب بأحدهما الرب تعالى ويقصده بأعماله ، ويحب بالآخرة الدنيا وشهواتها ، ويقصدها في أفعاله كما قال سبحانه : " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " ( 1 ) ومثل سبحانه لذلك باللسان والسيف ، فكما لا يكون في فم لسانان ، ولا في غمد سيفان ، فكذلك لا يكون في صدر قلبان ، ويحتمل أن يكون اللسان لما مر في ذي اللسانين . وأما قوله : " فكذلك الأذهان " فالفرق بينها وبين القلب مشكل ، ويمكن أن يكون القلب للحب والعزم ، والذهن للاعتقاد الجزم ، أي لا يجتمع في القلب حب الله وحب ما ينافي حبه سبحانه ، من حب الدنيا وغيره ، وكذلك لا يجتمع

--> ( 1 ) الأحزاب : 4 .